ابن قيم الجوزية
338
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
خاتمة يا من عزم على السفر إلى الله والدار الآخرة ، قد رفع لك علم ، فشمر إليه ، فقد أمكن التشمير ، واجعل سيرك بين مطالعة منته ومشاهدة عيب النفس والعمل والتقصير ، فما أبقى مشهد النعمة والذنب للعارف من حسنة ، يقول : هذه منجيتي من عذاب السعير ، ما المعول إلا على عفوه ومغفرته ، فكل أحد إليهما فقير ، أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبي فاغفر لي ، أنا المذنب المسكين ، وأنت الرحيم الغفور . ما تساوي أعمالك لو سلمت مما يبطلها أدنى نعمة من نعمة عليك ، وأنت مرتهن بشكرها من حين أرسل بها إليك ، فهل رعيتها بالله حق رعايتها وهي في تصريفك وطوع يديك ؟ فتعلق بحبل الرجاء ، وأدخل من باب التوبة والعمل الصالح ؛ إنه غفور شكور ؛ نهج للعبد طريق النجاة ، وفتح له أبوابها ، وعرفه طرق تحصيل السعادة ، وأعطاه أسبابها ، وحذره من وبال معصيته ، وأشهده على نفسه وعلى غيره شؤمها وعقابها ، وقال : إن أطعت فبفضلي وأنا أشكر ، وإن عصيت فبقضائي وأنا أغفر ؛ إن ربنا لغفور شكور . وأزاح عن العبد العلل ، وأمره أن يستعيذ به من العجز والكسل ، ووعده أن يشكر له القليل من العمل ، ويغفر له الكثير من الزلل ؛ إن ربنا لغفور شكور .